محمد حسين هيكل
334
حياة محمد ( ص )
من هذه الآيات لتقف قارئها أمامها ، مقدّسا لما جمعت بين القوة والروعة وسحر البيان وسمو المعنى والإعجاز في التصوير . وليت المقام هنا يتّسع لهذه الوقفات ! ولكن كيف يتسع والحديث عما تنطوي عليه هذه الآيات الست عشرة جدير بأن يستوعب مؤلفا ضخما . القرآن وأدب النفس ولو شئنا أن نجيء بطرف مما في القرآن في أدب النفس ، وتهذيب الأخلاق ، لانفسح المجال إلى ما لا تنفسح له خاتمة الكتاب . وحسبنا أن نذكر أنه ما حض كتاب على الخير والفضل ما حض القرآن ، وما سما كتاب بالنفس الإنسانية ما سما بها القرآن ، وما تحدث كتاب عن البر والرحمة ، وعن الإخاء والمودة ، وعن التعاون والوفاق ، وعن الصدقة والإحسان ، وعن الوفاء وأداء الأمانة ، وعن سلامة القلب وصدق الطوية ، وعن العدل والمغفرة ، وعن الصبر والثبات ، وعن التواضع والإذعان ، وعن الخير والمعروف ، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بالقوة والإقناع والإعجاز في الأداء ، ما تحدث القرآن . وما نهى كتاب عن الضعف والجبن ، وعن الأثرة والحسد ، وعن البغض والظلم ، وعن الكذب والنميمة ، وعن التبذير والبخل ، وعن البهتان واللمز ، وعن الاعتداء والإفساد ، وعن الغدر والخيانة ، وعن كل رذيلة ومنكر ، ما نهى القرآن ، وبالقوة والإقناع والإعجاز التي نزل بها الوحي على النبيّ العربيّ . وما من سورة تتلوها إلا وجدت فيها من الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتوجه إلى الكمال ، ما تسمو به نفسك غاية السموّ . اسمع إلى قوله تعالى في التسامح : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ) « 1 » . ويقول تعالى : ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) « 2 » . لكن هذا التسامح الذي يدعو القرآن إليه لا يدفع إليه ضعف ، وإنما يدفع إليه الخلق وحرص على استباق الخيرات وترفّع عن الدنايا . يقول تعالى : ( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) « 3 » . ويقول : ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) « 4 » . وهذا صريح في أن الدعوة إلى التسامح دعوة إلى الفضل لا شيء من الضعف فيها ، وإنما هي السمو النفساني الذي لا تشوبه شائبة . هذا التسامح الذي يدعو القرآن إليه عن فضل ، إنما أساسه الإخاء الذي جعله الإسلام دعامة حضارته . والذي أراد به أن يكون إخاء بين الناس كافّة في مشارق الأرض ومغاربها . والإخاء الإسلامي يتضافر فيه العدل والرحمة من غير ضعف ولا استكانة . وهو إخاء متساو في الحق والخير والفضل غير متأثر بالعاجلة من المنافع ، بل يؤثّر الآخذون به على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . والآخذون به يخشون اللّه ولا يخشون غيره . وهم لذلك الإباء والأنفة . وهم مع ذلك التواضع الجم . وهم الصادقون الموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرون في البأساء والضراء وحين البأس ، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا للّه وإنا إليه راجعون ، لا يصعّر أحدهم خدّه ولا يمشي في الأرض مرحا ، وقاهم اللّه شحّ أنفسهم ، لا يقولون على اللّه ولا على عباده الكذب ، ولا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، وإذا ما غضبوا هم يستغفرون ، يكظمون غيظهم ويعفون عن الناس ، يجتنبون كثيرا من الظن ولا يتجسسون ولا يغتاب بعضهم بعضا ، لا يأكلون أموالهم بينهم بالباطل ولا يدلون بها إلى الحكام ليأكلوا فريقا من أموال الناس
--> ( 1 ) سورة المؤمنون آية 96 . ( 2 ) سورة فصلت آية 34 . ( 3 ) سورة النساء آية 86 . ( 4 ) سورة النحل آية 126 .